25 January, 2017

ثورة لا زلت أعيش نتائجها منذ 37 عامًا

بواسطة الكاتب
نبيل المعجل

.

نبيل فهد المعجل

قصة تحمل تفاصيل كثيرة وربما تخرج بلا فائدة أو مضمون عند الإنتهاء من القراءة، كتبتها بناء على طلب من بعض المغردين والمغردات وفيها أجرب اسلوب السرد، فإن وفقت ربما يكون حافزًا لتكملة سرد ذكرياتي بأميركا في رواية أولى بإذن الله، وإن لم أوفق ربما تكون تشجيعا لغيري ليدون ذكرياته ولو دوّنها بعض الطلبة السعوديين منذ بدء البعثات التعليمية المباركة لخرجنا بأدب عظيم يفيد ويمتع الأجيال اللاحقة.

—————————————————————–

الخامس والعشرون من شهر يناير يوم لا ينساه المصريون عندما ثاروا على فترة زمنية بائسة، وفي مثل هذا اليوم من عام 1980 كانت لي ثورتي على فترة زمنية فاشلة، أروي لكم هنا يومها الأول.

قرر والدي – رحمه الله – أواخر عام 1979 ميلادية وبعد مروري التاريخي من عنق زجاجة المرحلة الثانوية بأن لا حل معي سوى أن يرسلني لأميركا بجوار أخي الأكبر محمد لدراسة اللغة الإنجليزية وربما أواصل بعدها مشواري الجامعي، أدرك بنظرة الأب الثاقبة بأنه خيار لا بد منه لتصحيح مساري التعليمي والإجتماعي، وسيعطي ابتعادي عن ضغوطات البيت والمجتمع نتائج جيدة أهمها التركيز على أولويات كانت آخر إهتماماتي بسبب انشغالي الكبير منذ صغري بحبيبيَ الأبديين طلال مداح – رحمه الله – ونادي الإتفاق بالدمام إضافة لإمور أخرى غير صالحة للنشر، كاد هذا الإنشغال أن يكلفني الكثير، أحيانا حياتي.

أثناء وداع والدي في هذا اليوم من عام 1980، همس في أذني وهو يدس بجيبي دولارات خضراء من فئة المئة قائلاً “لا أحب النصائح المباشرة، أنت من الليلة ستكون مسئولا عن نفسك، لن أطلب إلا شيئًا واحدًا وهو ألا تدخّن” كان خوفه إن بدأت بالتدخين أن انتقل لأمور أخرى من ماراوانا وحشيش وما حولهما، عملت بنصيحته ولا أزال.

وبالمقابل طلبت من والدتي – رحمها الله – ألا تتصل بمحمد وتخبره بقدومي، كنت أريد مفاجأته على باب شقته وكأن القادم إليه هو صلاح الدين الأيوبي لا أخيه الصغير الذي كان معه صولات وجولات منذ طفولتهما من تحد وعراك وتنافس وخصام، انتهى كل هذا منذ وصولي تلك الليلة.

من ذكريات ليلة السفر أن كان شعر رأسي طويلاً يصل لحدود منتصف ظهري، كنت أخفيه خلف غترتي البيضاء ولا أظهره إلا في أماكن تواجد من أريد لفت أنتباههن، في تلك الليلة استخدمت مشطًا نفشتُ فيه هذا الشعر في كل الإتجاهات صانعًا منه “آفرو” ينافسني به –عبثا- الأميركان من أصول أفريقية، لا داعي للقول بأنني بدأت وقبل المغادرة بممارسة حرية افتقدها المراهقون آنذاك ولا يزالون، أشار لي موظف الخطوط الجوية السعودية مازحًا أن أدفع قيمة ثلاثة مقاعد أو انتقل لمقعد وثير في الدرجة الأولى يكفي لكلينا.

غادرت بصحبة ابن عمتي وزملائه الذين كانوا على بعد سنة من التخرج، كان أول نزول لنا في مطار بوسطن Boston وجلسنا في مقهى انتظارا لرحلة سان فرانسيسكو San Francisco القريبة من مكان دراستهم بمدينة سان هوزي San Jose، عندما أعلنوا عن اقلاع الرحلة، أخرجت من جيبي ورقة من فئة المائة دولار وأشرت للمضيفة الشقراء الجميلة، والشقراء تكون جميلة لأي مراهق وشاب وكهل وعجوز سعودي يصل أميركا لأول مرة، كادت المضيفة أن تفقد وعيها من فرط المفاجأة ونهرني ابن عمتي وزملائه تذكرت فيها بعض مدرسي المرحلة المتوسطة، سحبوا من يدي الورقة النقدية وقالوا لها : عفوا، لم يكن يقصد ذلك Sorry, he didn’t mean it

كانت هذه الحادثة أول درس تعلمته في أميركا، ألا أحمل أوراقًا نقدية من الفئات الكبيرة لأسباب أمنية ولا زلت أحاول تطبيقه وإن اختلف السبب بعد زواجي من امرأة ذكية وإنجابي لخمسة من الأطفال … الأذكياء أيضًا.

بعد وصولنا سان فرانسيسكو اقترحوا أن أقضي ليلتي في شقة ابن عمتي وتأجيل رحلتي لبورتلاند في اليوم التالي، رحبت بالإقتراح من شدة التعب.

استقبلتني مدينة San Jose في صباح اليوم التالي إستقبالاً ثوريًا، وأنا أهّم بفتح الثلاجة بحثا عن شيء يسد جوعي، شعرت بهزات عنيفة ولولا تمسكي بالباب جيدًا لوقعت من شدتها، خرج ابن عمتي من غرفته ضاحكًا من ارتعاب بان على وجهي وأجزاء من جسمي، كان زلزالاً تعوّد عليه وتعرّفت عليه في أول صباح أميركي لي.

خرجنا في جولة صباحية لمشاهدة أثار التشققات على الشوارع وبعض الدمار الخفيف على بعض المباني وذكر لي بأن المباني محصنة برقم عالٍ من مقياس رختر الخاص بالزلازل، مررنا على مطعم عليه إشارة همبرغر ولاحظ سيل لعابي، رأف بحال جوعي وأوقف سيارته بجانب المطعم وقال “ستعرف بأنك كنت تأكل زلطًا في مطاعم الدمام عندما تتذوق هذا الهامبرغر، طلب لي شيئا مرعبًا في حجمه، مغريًا في شكله، منعشًا في رائحته، خياليًا في طعمه. لم أذق مثيلاً له حتى في أوروبا، ولا تزال ذكرى تلك الوجبة Whopper المقدمة من مطعم Burger King تسرح وتمرح في لساني وفضلت وجبات هذا المطعم طوال فترة إقامتي في أميركا على وجبات ماكدونالدزMcDonald’s

وصلت لمدينة بورتلاند في ليلة سبت باردة ماطرة عاصفة، أستقليت سيارة أجرة مع سائق مكفهّر الوجه كثّ اللحية لا يطيق الكلام، أدخل في قلبي المراهق والمتعب بعض الخوف، توقفنا عند شقة أخي محمد في حدود الساعة الثامنة مساءً، أخذ مني السائق 30 دولارًا وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت، لم أمارس معه من شدة التعب هوايتي المفضلة في المفاصلة، طلبت منه الإنتظار، حملت حقيبتي الثقيلة درجات السلم ووقفتْ قدماي أمام الشقة ووقف نَفَسي معهما(رقم الشقة 1404 في الصورة التقطت عام 2014)، صرت أتخيل حجم المفاجأة التي ستضربه وكيف لي أن أتصرف لو أغمى عليه من هولها، قرعت الجرس، لا أحد يجيب، ضربت الباب بيدي، ضربته ثانية وثالثة، استخدمت طريقتي المفضلة وركلته بقدمي، خرج حينها الجار يستفسر عن سبب الإزعاج، شرحت له بكلمتين أظنهما باللغة الإنجليزية، لم يفهم إلا بلغة الإشارة، سمح لي الجار الذي بدا عليه الطيبة باستخدام هاتف شقته وأخذتْ زميلته (عرفت بأنها زميلته لا زوجته في وقت لاحق) الرقم المدوّن في ورقة صغيرة وقامت بالإتصال، سمعنا الهاتف يرن في الشقة، توقف الرن، وأعادت لي الورقة قائلة ” Sorry, no answer”

image

بعد دقائق قليلة من الإنتظار في صالة شقتهما ناولتني خلاله كوبًا ساخنًا من القهوة الأميركية صنعته خصيصًا لي استأذنت بعدما ترددت عيناه في النظر إلى ساعته، طلبت من السائق أن يوصلني لأقرب فندق، لم يكذب خبرًا فأنا بالنسبة له فريسة سهلة (وهذا عكس تعامل الأميركان عمومًا) أخذني لأقرب فندق على حد زعمه يبعد 10 كيلومترات وطلب 30 دولارًا إضافيًا!

أمضيت ليلتي الأولى في بورتلاند في هذا الفندق الصغير (الصورة عام 2014) من فئة الفنادق التي لا تحمل أي نجمة ويطلق عليها الموتيل Motel، استقبلني موظف الفندق العجوز ذو الأصول الأفريقية بمزاج ثائر حار لا يتناسب وبرودة المكان، ولم أدري حينها ما سر أن يكون الكل ثائر في هذا اليوم إلا بعد 31 عامًا، دفعت مقدمًا مبلغ عشرة دولارات أجرة غرفة يدخلها هواء شديد البرودة من فتحات النافذة المهترئة، كانت ليلتي تتناسب مع تواضع المبلغ الذي دفعته.

في صباح اليوم التالي كنت واقفا أمام شقة أخي محمد مثل الخشبة المتصلبة الجافة الطويلة على حد تعبيره، ولخيبة أملي كان في انتظاري لأن والدتي اتصلت به قبل ساعة من وصولي ظنًّا منها بأنني قد وصلت ليلاً، فلا أنا استمتعتُ بمفاجأته ولا هنأت بنوم مريح إضافة لخسارة دولارات كنت في أمسّ الحاجة إليها، أخذني لغرفة نومي وأول شيء أخرجته من حقيبتي كان مجموعة أغانٍ لحبيبي الاول وصور كثيرة لحبيبي الثاني علقتها على جدران الغرفة.

image

بعد مرور أيام ذهبنا لتناول العشاء في مطعم مفضل له وكانت مفاجأتي بأنه ملاصق لفندقي الذي أمضيت فيه ليلتي الأولى والمفاجأة الأكبر بأنه كان يتناول فيه وجبة عشاء مع زملاءه في تلك الليلةٍ الثورية.

سردت هذه القصة بعد عدة أشهر على طلبة معهد اللغة الإنجليزية في مادة الخطابة وحصلت على المركز الأول، قصة فيها فهلوة وفهاوة وقهر وربما خيبة أمل!

كان قرار والدي ثوريًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكان يكرر القول بأنه أفضل قرار اتخذه، لا أستطيع إلا أن أتفق معه وسأظل أحتفل بهذا اليوم مع المصريين ولكن بلا مظاهرات دموية، سأكتفي بمقارنة ما كنت عليه وما أصبحت عليه من بعد الخامس والعشرين من يناير 1980 مع عظيم الشكر لله عز وجل ومن ثم لوالدي رحمه الله.

 

تعليق واحد تعليقات إلى الأن.

  1. كاتب التعليق محمد بوحمد في 8 July, 2017 :

    من محمد بو حمد الى جناب الأخ نبيل بن فهد سلمه الله تعالى آمين

    استمتعت بقراءة ذكرياتك .. أرجو أن لاتتوقف عن نثر أحداث ثورتك التي عشتها في ربوع أوريغون بعد مغادرتك العدامة .. من يدري قد تتقاطع طرقنا يوما ما أيها الدمّامي تحت ظل نخلة غرّ باسقة تطول خرافها بيديك.

أرسل تعليقاتك الأن !

أكواد هتمل: تستطيع أستخدام هذه الأكواد في تعليقاتك: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>